العودة إلى الفهرس الرئيسي

لتحميل الوثيقة في صورة PDF

من المقــال

بعد أن عاد العالم مرة أخرى إلى الخيار العسكرى الذى كنا نظنه أمرا قد انتهى بعد معاناة العالم من حربين عالميتين أودت بحياة الملايين فى مختلف بقاع الأرض.

الخيار العسكرى أصبح شبحًا يجتاح العالم
 

لواء د. سمير فرج

 9 مارس 2024


فى عام 1945 وبعد أن خرج العالم منهكا من حربين عالميتين، ظهر ما يعرف بالحرب الباردة التى كانت تدور ما بين المعسكرين الرئيسين، المعسكر الشرقى المقصود به الاتحاد السوفيتى وقوات حلف وارسو. وعلى الجانب الآخر المعسكر الغربى ويقصد به الولايات المتحدة وقوات حلف الناتو، كما شهدت تلك الفترة ظهور حركة مجموعة دول «عدم الانحياز» التى أسسها الرئيس عبدالناصر مع الهند وإندونيسيا التى رفضت الانضمام لأى من المعسكرين، وعلى الرغم من نجاح الحركة فى حل عدد محدود من الأزمات والمشاكل الدولية من خلال الجهود السياسية والدبلوماسية، إلا أنها لم تكن ذات تأثير كبير على مستوى السياسة العالمية بسبب الظروف الاقتصادية والسياسية للدول المشاركة بها.

ولقد كانت الخسائر الكبرى التى تسببت بها الحربان العالميتان الأولى والثانية سببا قويا فى محاولة تفادى الدول الكبرى، فى صراعاتها، اللجوء إلى الحلول العسكرية، ورغم أن الأمر لم يخل من حدوث عدد من الصراعات والحروب المحلية والإقليمية مثل حرب الولايات المتحدة فى فيتنام والحرب الكورية والحرب الهندية الباكستانية. ولكن جميعها كانت حروبًا إقليمية محدودة إلى أن قامت روسيا بالتدخل فى أفغانستان، الأمر الذى تبعه التدخل الأمريكى ثم جاءت الحرب الإيرانية العراقية وحرب الخليج التى استدعت قيام تحالف دولى لتحرير الكويت من قبضة صدام حسين والقضاء عليه.

وفى عام 2022 شهد العالم اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية التى كانت البداية الحقيقية لعودة الحروب العسكرية الدولية فى العصر الحديث كبديل عن الحلول الدبلوماسية التى كان يمكن حل الأزمة من خلالها، ولكن عندما وجدت روسيا أن انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو يعنى وصول قوات من 28 دولة على حدودها مباشرة بما يعنى وجود تهديد مباشر لأمنها القومى أعلنت الحرب التى كان لها تأثيراتها على كل دول العالم، خاصة فى النواحى الاقتصادية، وكان الأكثر تأثرا دول العالم الثالث الفقيرة التى لم يكن لها لا ناقة ولا جمل فى هذه الحرب التى أعتقد أنها سوف تستمر فى عامها الثالث حتى نوفمبر القادم بعد أن تنتهى الانتخابات الأمريكية وفى حالة فوز الرئيس ترامب فإنه سيقوم بإنهاء هذه الحرب مع بداية 2025 كما وعد بذلك فى حملته الانتخابية.

وفى الشرق الأوسط لدينا الحرب بين حماس وإسرائيل التى اندلعت يوم السابع من أكتوبر 2023 وأعتقد أنه كان من الممكن إيقاف هذه الحرب من البداية مثلما حدث فى الحروب السابقة بين الطرفين من خلال الوساطة المصرية التى كانت تنجح دائما فى الوصول إلى اتفاق لوقف القتال بين الطرفين وعودة الهدوء للمنطقة، ولكن الأمر مختلف هذه المرة فإسرائيل متمسكة باللجوء للحل العسكرى للقضاء على المقاومة الفلسطينية لتدخل الحرب فى شهرها الخامس مع تصاعد الآمال للوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مع اقتراب شهر رمضان الكريم.

وفى الجنوب نجد مثالًا آخر لاشتعال الموقف العسكرى وعدم اللجوء للحلول السلمية الأمر الذى تجسد فى دخول الحوثيين باليمن فى أعمال قتال مما شكل تهديدات لحركة الملاحة فى البحر الأحمر ودفع القوافل التجارية البحرية لتجنب المرور عبر قناة السويس وتحويل المرور عبر رأس الرجاء الصالح لتزيد مدة الرحلات بمقدار 14 يوما مما أدى لزيادة مصاريف تلك الرحلات، الأمر الذى كانت له تبعاته الاقتصادية على المستوى العالمى.

وبعيدا عن الحرب المشتعلة بالفعل، فهناك نيران خامدة تنتظر أقرب فرصة للإشعال فى منطقتين مهمتين من العالم، الأولى هى إيران التى يقف لها المعسكر الغربى وتحديدا الولايات المتحدة وقوات الناتو فى حالة تحفز لضمان عدم امتلاك إيران السلاح النووى، خاصة مع مساعيها المستمرة لزيادة تخصيب اليورانيوم الأمر الذى يشكل تهديدا رئيسيا لإسرائيل التى بدورها ترفض وجود أى قوة نووية بالشرق الأوسط سواها.

هذا بالإضافة إلى معارضة دول العالم لزيادة أعداد الدول النووية فى العالم أو ما أطلق عليه «النادى النووى» الذى يضم 9 دول هى أمريكا وروسيا وإنجلترا وفرنسا والصين والهند وباكستان وكوريا وإسرائيل.

أما المنطقة الثانية التى تنتظر اشتعال فتيل الحرب فهى جنوب شرق آسيا وتحديدا الصين وتايوان، رغم محاولات الاستفزاز الأمريكية من أجل دفع الصين لخوض حرب مع تايوان تتسبب فى إضعاف الصين اقتصاديا، خاصة أن قوتها الاقتصادية التى تتقدم يوما بعد يوم لو استمرت بنفس المنوال ستجعلها بحلول 2030 القوة الاقتصادية الأولى فى العالم.

ومن هنا أصبحت الحرب فى جنوب شرق آسيا هى المسرح المنتظر للحرب القادمة وإن كنت أعتقد أن الصين على مستوى عال من الذكاء الذى يجعلها حريصة على عدم الانخراط فى أى حروب قادمة، ولقد كان خير دليل على الحكمة والذكاء من السياسة الصينية فى إدارة الموقف حيال الزيارة الأمريكية الاستفزازية التى قامت بها بيلوسى رئيسة الكونجرس الأمريكى إلى تايوان العام الماضى، لتنجح الصين فى إدارة الأزمة والسيطرة على الموقف ومنع تصاعد الاستفزازات الأمريكية التى تهدف لسقوط المنطقة فى غمار الحرب.

وبما أننا نعيش فى زمن الأوانى المستطرقة، بما يعنى أن أى حدث فى منطقة ما يكون له تأثيراته على مختلف أنحاء العالم، بغض النظر عن قربه أو بعده من منطقة وقوع الحدث، فلا عجب من وجود تزايد نحو لجوء الأطراف المتصارعة فى العالم إلى استخدام الخيار العسكرى، الأمر الذى انعكس بدوره على زيادة عمليات الإنفاق العسكرى من أجل تعزيز قوة الدولة عسكريا، وأبسط مثال على ذلك قيام ألمانيا بدعم قواتها المسلحة بما قيمته 100 مليار يورو علاوة على ميزانية وزارة الدفاع الحالية ثم قيام فنلندا والسويد بتخليهما عن سياسة الحياد وطلب انضمامهما لحلف الناتو وبدأت ألمانيا فى الدعوة لإنشاء جيش أوروبى يمثل القارة العجوز.

والحقيقة أن ذلك التزايد فى الميل نحو استخدام القوة العسكرية لابد وأن يجعل الخوف هو الشعور الأكثر سيطرة على كل متابع لما يحدث على الساحة العالمية بعد أن عاد العالم مرة أخرى إلى الخيار العسكرى الذى كنا نظنه أمرا قد انتهى بعد معاناة العالم من حربين عالميتين أودت بحياة الملايين فى مختلف بقاع الأرض.



Email: sfarag.media@outlook.com