العودة إلى الفهرس الرئيسي

لتحميل الوثيقة في صورة PDF

من المقــال

لم يقتصر الخلاف على ذلك، بل امتد إلى إعلان الولايات المتحدة رفضها المخطط الإسرائيلى لتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إلى سيناء.

هل بدأ الخلاف الأمريكى ـ الإسرائيلى حول غزة؟
 

لواء د. سمير فرج

 21 ديسمبر 2023


لاحت فى الأفق بوادر خلاف بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، حول مستقبل الحرب الإسرائيلية على غزة، وهو ما تجلى فى ستة مواقف رئيسية؛ بدأت باعتراض الإدارة الأمريكية على استهداف المدنيين من أبناء الشعب الفلسطينى، كما جاء على لسان وزير خارجيتها، أنتونى بلينكن، مؤكداً ضرورة بذل المزيد من الجهد لحماية المدنيين فى غزة، ومرة أخرى، فى تصريح جاك سوليفان، مستشار الرئيس الأمريكى للأمن القومى، فى أثناء زيارته لإسرائيل، بضرورة أن تكون عمليات إسرائيل فى غزة، فى المستقبل القريب، أقل شدة. ثم أخيراً، تعليق الرئيس الأمريكى، الأكثر قسوة، والأقوى انتقاداً،والذى حذر فيه إسرائيل بمخاطراتها بخسارة الدعم الدولى، جراء سياسة القصف العشوائى.

وظهر الخلاف الثانى عند إعلان نيتانياهو تولى إسرائيل المسئولية الأمنية الشاملة فى غزة بعد الحرب، إذ رد عليه الرئيس الأمريكى، فوراً، بأن محاولة إعادة احتلال غزة سيكون خطأً فادحاً، مضيفاً أن حكم قطاع غزة والضفة الغربية لابد أن يبقى بيد السلطة الفلسطينية، فى نهاية المطاف. أما ثالث نقاط الخلاف فقد بدا عند تصريح نيتانياهو بعزمه إقامة شريط على الحدود، بين غزة وإسرائيل، بعمق يصل إلى ثلاثة كيلومترات، ليكون بمثابة منطقة عازلة لتأمين المستوطنات الإسرائيلية، وهو ما رفضته، كذلك، الولايات المتحدة الأمريكية.

لم يقتصر الخلاف على ذلك، بل امتد إلى إعلان الولايات المتحدة رفضها المخطط الإسرائيلى لتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إلى سيناء، ومن الضفة الغربية إلى الأردن، وذلك بعد الإعلان الصريح من الرئيس السيسى، برفض مصر ذلك المخطط، ومراقبته محاولات إسرائيل لدفع الفلسطينيين، فى غزة، للنزوح جنوباً نحو رفح، لعبور الحدود المصرية إلى سيناء. وقد أبلغ الرئيس الأمريكى نظيره المصرى بأن الولايات المتحدة لن تسمح، بأى حال من الأحوال، بالتهجير القسرى للفلسطينيين من غزة أو الضفة الغربية، أو إعادة ترسيم الحدود. كما أعلن وزير الخارجية الأمريكى فى تغريدة على منصة إكس برفض التهجير القسرى للفلسطينيين. وخلال مقابلة بين الرئيس السيسى والسيدة كامالا هاريس، نائب الرئيس الأمريكى، فى الإمارات، على هامش قمة المناخ، أكدت، مرة أخرى، رفض أمريكا المخطط الإسرائيلى.

ودارت خامس الخلافات حول إعلان ضرورة حل القضية الفلسطينية من خلال حل الدولتين، مع الالتزام بحدود الرابع من يونيو 1967، والقدس الشرقية كعاصمة لدولة فلسطين، كما سبق وأعلن الرئيس المصرى عبدالفتاح السيسى، مقابل تمسك نيتانياهو بأن تكون إسرائيل دولة واحدة، تجمع اليهود والمسلمين والمسيحيين. أما أحدث، وأهم، نقاط الخلاف، فتمثل فى رغبة الولايات المتحدة فى إنهاء تلك الحرب فى غضون الأسابيع القليلة القادمة، قبل بدء المعركة الانتخابية على كرسى الرئاسة، فى البيت الأبيض، والمقرر انطلاقها مع بداية العام القادم، فى ضوء تخلف جو بايدن بنحو 4 نقاط، فى استطلاعات الرأى العام، خلال الأسابيع الماضية، عن غريمه فى الانتخابات،ومرشح الحزب الجمهورى، الرئيس السابق دونالد ترامب.

يعود ذلك التراجع إلى غضب الشعب الأمريكى مما يجرى فى غزة، على مدى أكثر من شهرين، اطلعوا خلالهما على معاناة الشعب الفلسطينى، وتابعوا مشاهد قتل النساء والأطفال، جراء الغارات الإسرائيلية، التى تؤيدها أمريكا. فعلت الأصوات الأمريكية المنتقدة لاستخدام أموالهم، كدافعى ضرائب، لتسليح إسرائيل، فى حربها اللاإنسانية على أبناء الشعب الفلسطينى الأعزل، والتى طالت الضفة الغربية، غير المحكومة بحركة حماس. وأمام حالة الغضب الأمريكى، أرسل جو بايدن مستشاره للأمن القومى، جاك سوليفان، إلى إسرائيل،للتأكيد على حكومتها بضرورة إنهاء حربها على فلسطين خلال الأسابيع القادمة، إلا أن نيتانياهو أبلغه بأن فى ذلك إعلان بنصر حماس، مما اضطر سوليفان لتغيير لهجته، عقب الزيارة، بالتصريح بأن الحرب قد تطول ولكن على مراحل.

ورغم الدعم المطلق من الإدارة الأمريكية لإسرائيل عامة، وفى حربها الجارية ضد حماس خاصة، فإن حرص جو بايدن على خوض معركة الرئاسة، المرتقبة، دون ضغط شعبى، من الرأى العام الأمريكى، من شأنه تقليص فرص نجاحه، واستمراره فى كرسى الرئاسة، فى البيت الأبيض، قد دفعه لأن يطلب من نيتانياهو تغيير حكومته اليمينية، الأكثر تطرفاً فى تاريخ إسرائيل، بعدما فقدت تلك الحكومة الدعم الدولى،من ناحية، نتيجة للقصف العشوائى، والغاشم، على فلسطين، والذى راح ضحيته أعداد هائلة من المدنيين، من ناحية أخرى، بسبب رفض تلك الحكومة لحل الدولتين. وهو ما رد عليه نيتانياهو بأنه لن يسمح بخطأ العودة إلى اتفاق أوسلو، مضيفاً أنه لن يسمح لغزة والضفة الغربية أن تكونا «حماسستان وفتحستان».

ومن هذا يتضح أن زيارة جاك سوليفان إلى إسرائيل وإلى رام الله، فى الأسبوع الماضى، تأتى فى إطار المواءمة الأمريكية بين دعمها إسرائيل من ناحية، وهدفها من تهدئة الرأى العام الأمريكى، قبيل الانتخابات الرئاسية من ناحية أخرى، وهو ما أظن أن إسرائيل قد تفهمته، حتى وإن لم تدل لهجات المؤتمرات الصحفية عليه، ولم يُعلن عنه صراحة، ولكنها ستنفذ معظم المطالب الأمريكية، مثلما قررت فتح معبر كرم أبو سالم لزيادة مرور المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة.

وعلى أى حال، فإن الأيام القادمة ستكشف ما حققته زيارة سوليفان إلى إسرائيل ورام الله، والمقرر أن تتبعها زيارة وزير الدفاع الأمريكى، إلى المنطقة، والتى لا تهدف، جميعها، إلا لدخول أمريكا العام الجديد، وبدء معركتها الانتخابية، دون الصداع الناتج عن الحرب الإسرائيلية الفلسطينية فى غزة!



Email: sfarag.media@outlook.com