العودة إلى الفهرس الرئيسي

لتحميل الوثيقة في صورة PDF

من المقــال

وبالبحث والتحليل لتلك الاعتبارات والأسباب، يمكننا استنتاج دوافع إسرائيل فى اختيار توقيت حربها على الشعب الفلسطينى، وحصرها فى عدة أسباب.

حرب غزة 2023.. نظرة تحليلية
 

لواء د. سمير فرج

 18 مايو 2023


فى غضون عامين، شنت إسرائيل ثلاث حروب، من سلسلة حروبها على غزة؛ وهى حرب غزة الرابعة فى مايو 2021،والخامسة فى أغسطس 2022، ثم الحرب السادسة التى تدور رحاها الآن. والحقيقة أن معظم تلك الحروب، إن لم يكن كلها، تبدأها إسرائيل، ويلاحظ أنها تشنها كل عام، تقريبا، وهو ما لا يعتبر محضا للصدفة، وإنما هو توقيت محسوب وفقا لاعتبارات وأسباب تخص إسرائيل. وبالبحث والتحليل لتلك الاعتبارات والأسباب، يمكننا استنتاج دوافع إسرائيل فى اختيار توقيت حربها على الشعب الفلسطينى، وحصرها فى عدة أسباب.

أولها، وأهمها، معالجة شأن أو ظرف داخلى، وهو ما ينطبق على الحرب الجارية، حاليا، والتى جاءت عقب تشكيل الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة، برئاسة بنيامين نيتانياهو، ورغبته فى تعديل نظام القضاء الإسرائيلى، بمنح الكنيست حق تعيين القضاة، وحق رفض الأحكام الصادرة عن المحكمة العسكرية الإسرائيلية العليا. وأمام إدراك الإسرائيليين لمحاولاته الإفلات من الاتهامات فى ثلاث قضايا فساد، رفضوا تلك التعديلات، واندلعت الاحتجاجات والمظاهرات داخل إسرائيل لعدة شهور، فلجأ، نيتانياهو،للحرب،لصرف نظر المجتمع الإسرائيلى، عن هذه المشكلة.

أما السبب الثانى لاختيار توقيت الحرب السادسة، فيرجع لجمع الموساد حجما كبيرا من المعلومات عن الفصائل الفلسطينية، سواء القادة أو الأسلحة، أو أماكن التمركز، وهو ما يستلزم، من وجهة نظر إسرائيل، ضرورة قيام الجيش بعملية سريعة، لتصفية القادة الفلسطينيين، وتدمير أسلحتهم، ومصانعها. وهو ما يرتبط بالسبب الثالث، وهو اختبار التعديلات والتطورات التى تمت، خلال العام الماضى، فى نظام القبة الحديدية، وهو ما لا يتسنى إلا بمعركة حقيقية، بالإضافة إلى تجربة منظومة مقلاع داود، ذلك النظام الجديد للتصدى للصواريخ الباليستية، والمحتمل أن تستخدمه إسرائيل فى حالة أى نزاع عسكرى مع إيران.

وتعتبر الرغبة الإسرائيلية فى استنزاف مخزون صواريخ المقاومة الفلسطينية لدى سرايا القدس، الذراع العسكرية للجهاد الإسلامى، هو السبب الرابع لشن تلك الحرب، بغرض إضعاف المقاومة، فى ظل صعوبة حصولها على صواريخ إيرانية جديدة،لتصنيعها فى غزة. أما خامس أسباب اختيار توقيت الحرب، فهو اختبار الأساليب الجديدة للمقاومة الفلسطينية، ففى حرب العام الماضى ابتدعت المقاومة أنفاق غزة، التى أطلقت صواريخها منها، دون أن تشعر إسرائيل، أما فى العام الحالى، فكانت المفاجأة فى قيام المقاومة بنشر، وإطلاق صواريخ تشويش على نظام القبة الحديدية، وكانت المفاجأة لإسرائيل، وفى المقابل استخدمت إسرائيل، لأول مرة، صواريخ مضادة للطائرات، أظنها من طراز كورنيت، وهو ما سيشكل عبئا إضافيا، على إسرائيل، فى أى معركة لاحقة.

أما آخر الأسباب، من وراء افتعال تلك الحرب، فيعود لمحاولات نيتانياهو إقناع الإسرائيليين بأن حكومته اليمينية، هى الأنسب، والأصلح، لقيادة إسرائيل، فى الفترة الحالية، للتصدى للإرهاب الفلسطينى، كما يدّعى، مثيرا حالة من الذعر، ومدللا على ذلك بأن صواريخ المقاومة وصلت إلى العاصمة تل أبيب، طبقاً للبيانات الإسرائيلية، التى تفيد، كذلك، بإن إسرائيل أطلقت 1100 صاروخ فى هذه العملية، وقدرت تكاليف تلك الحرب بأكثر من مليار دولار. وفى المقابل، أطلقت المقاومة الفلسطينية عملياتها باسم ثأر الأحرار، وفقدت سبعة من قيادات سرايا القدس، وهو ما يشير إلى أن الموساد الإسرائيلى، اخترق صفوف المقاومة الفلسطينية، بدليل تمكن إسرائيل من التعرف على أسماء القادة وأماكن وجودهم، كما يشير لقصور أمنى على جانب المقاومة الفلسطينية، والتى كان لزاما عليها تأمين قياداتها، فى أماكن غير معروفة، مع بدء المعركة، وهو ما يعتبر بديهيات قواعد التأمين.

ورغم الألم، والخسائر، فإننا لا نغفل الجوانب الإيجابية، وأهمها إرساء المقاومة الفلسطينية مبدأ صمودها أمام ضربات إسرائيل الغاشمة، وتأكيد الشعب الفلسطينى استمرار دعمه للمقاومة، بتحمل الضغط خلال فترات المعارك. ولا شك فى أن إسرائيل قد أيقنت قدرات المقاومة وتطور أسلحتها، التى صارت تهدد العمق الإسرائيلى، حتى العاصمة تل أبيب، ولابد أنها أدركت أن السلام لن يتحقق إلا بالاستماع للمطالب الفلسطينية. أما ثانية الرسائل التى أرسلتها المقاومة الفلسطينية، وقرأها العامة، فهى أن الجهاد الإسلامى، بذراعه العسكرية، هو من حارب إسرائيل، هذه المرة،دون تدخل من حماس، التى كان تدخلها سيزيد من حجم الخسائر على الجانب الإسرائيلى، عما هو الحال اليوم. فبعدما شهدنا سكان المستوطنات الإسرائيلية، يمكثون فى الملاجئ، خمسة أيام متواصلة، خوفا من صواريخ المقاومة الفلسطينية، أظنهم سيلعبون دوراً فاعلا فى ضرورة التوصل إلى حل سلمى للقضية.

وكدأبها فى دعم ومساندة القضية الفلسطينية، نجحت مصر، للمرة الثالثة، فى ثلاث سنوات، فى احتواء الموقف، وتهدئته، سواء بعقد اجتماعات، فى القاهرة، مع السيد محمد الهندى رئيس الدائرة السياسية فى حركة الجهاد الإسلامى، أو من خلال إرسال وفد إلى عاصمة تل أبيب، لحث الأطراف على وقف إطلاق النار، وهو ما نجحت الإدارة المصرية فى الوصول إليه، بهدف تحقيق الاستقرار فى منطقة الشرق الأوسط، ورفع المعاناة عن كاهل الشعب الفلسطينى، الحبيس فى أكبر سجن فى العالم، يعيش خلفه 2 مليون سجين،فى غزة،منذ نكبة عام ١٩٤٨،. وهكذا تظل مصر، دوما، حجر الزاوية، وميزان الاستقرار فى المنطقة، وهو ما أكده الرئيس الأمريكى، جو بايدن، خلال شكره للقيادة المصرية على مساعيها لتحقيق هذا السلام.

كانت تلك رؤيتى للموقف ... ولنراقب معا ما سيجلبه علينا شهر مايو من عام 2024!



Email: sfarag.media@outlook.com