العودة إلى الفهرس الرئيسي

لتحميل الوثيقة في صورة PDF

من المقــال

وكانت الاستراتيجية الأمريكية منذ بداية الحرب، هي ودول حلف الناتو، تعتمد على إمداد أوكرانيا بأسلحة دفاعية، بهدف إطالة مدة القتال.

هل بدأت الاستعدادات لحرب الربيع؟
 

لواء د. سمير فرج

 4 فبراير 2023


عندما بدأت الحرب الروسية- الأوكرانية، يوم 24 فبراير 2022، كانت كل التقديرات تدل على أن هذه الحرب لن تدوم أكثر من ثلاثة إلى أربعة شهور، حيث إن الجيش الروسى هو ثانى قوة عسكرية في العالم، والجيش الأوكرانى هو الرابع والعشرون عالميًا.

هذه الحرب صنفها العالم بأنها حرب محدودة بين دولتين، هما روسيا وأوكرانيا، وأنها ليست حربًا عالمية، ولكن بمرور الوقت اكتشف الجميع رغم أنها حرب محدودة إلا أنها أصبحت حربًا عالمية التأثير، خصوصًا في المجال الاقتصادى، حيث لم تبقَ دولة في العالم إلا وتأثرت اقتصاديًا في كافة المجالات، من حيث ارتفاع الأسعار، والبطالة، وإفلاس العديد من الشركات، وتوقف عدد كبير من المصانع، ونال هذا التأثير من الدول الغنية والفقيرة التي تأثرت أكثر من حيث نقص الحبوب والمواد الغذائية. وأصبح الجميع يأمل بعام جديد يتوقف فيه القتال بين روسيا وأوكرانيا، ويبدأ العالم في استعادة السلام، وتعود الأحوال الاقتصادية إلى ما كانت عليه قبل 24 فبراير 2022.

وبدأت روسيا القتال بتدمير البنية العسكرية الأوكرانية، بمهاجمة القوات الجوية، والطائرات، والمحطات، والرادارات، ومراكز القيادة للجيش الأوكرانى، وأماكن تمركز الاحتياطيات. وبعدها بدأت في مهاجمة كييف، العاصمة الأوكرانية، لإسقاط الدولة، ولكن الجيش الأوكرانى لجأ لخطة الدفاع عن المدن، فاضطرت القوات الروسية للاتجاه شرقًا، حيث نجحت في الاستيلاء خلال سبعة شهور من الحرب على 20% من الأراضى الأوكرانية، حيث استولت على مقاطعات لوهانسك ودونتسك وزابوروجيا وخيرسون.

وكانت الاستراتيجية الأمريكية منذ بداية الحرب، هي ودول حلف الناتو، تعتمد على إمداد أوكرانيا بأسلحة دفاعية، بهدف إطالة مدة القتال، وبالتالى يتم استنزاف روسيا اقتصاديًا. ومع دخول فصل الشتاء بدأت روسيا في تغيير استراتيجيتها في القتال بعدم القيام بأى عمليات قتالية رئيسية، والاكتفاء بتعديل أوضاعها الدفاعية، وتحسين مواقعها في الخطة الدفاعية الجديدة، ومحاولة الاستيلاء على باخموت، عقدة المواصلات الرئيسية في شرق أوكرانيا.

وكان هناك بصيص من الأمل بأن يتم إجراء محادثات سلام مع نهاية فصل الشتاء قبل أن يبدأ الربيع، حيث خططت القوات الروسية للبدء بهجوم شامل على الجبهة الأوكرانية، بغرض استكمال الاستيلاء على أراضٍ داخل أوكرانيا تجبرها على الدخول في مفاوضات سلام.

وبعد زيارة الرئيس زيلينسكى إلى الولايات المتحدة، عاد ومعه موافقة أمريكا على إمداد أوكرانيا ببطاريات باتريوت المضادة للطائرات والصواريخ، والتى أعتقد أنها لن تزيد من القدرة القتالية الهجومية للقوات الأوكرانية، حيث إن هذه البطاريات بالكاد سوف تحقق الدفاع عن العاصمة الأوكرانية ومدينة أخرى، ولكن جاءت المفاجأة الأخرى بأن أعلنت ألمانيا إرسال دبابات ليوبارد، وهى من النوع الهجومى إلى أوكرانيا، ثم إعلان أمريكا إرسال الدبابات الأمريكية الرئيسية للقتال «إبرامز M1A1»، ثم جاءت بريطانيا بقرار لدعم أوكرانيا بدبابات تشالنجر، وهى أيضا دبابات قتال هجومية رئيسية.

وهنا ظهر تساؤل: هل هذا التحول الجديد في الفكر الأمريكى، وحلف الناتو، بتقديم دعم هجومى من الدبابات إلى أوكرانيا سيغير مفاهيم وأساليب القتال في الفترة القادمة؟ ولكنى أعتقد أن ذلك التغيير هو فكر جديد بدفع دبابات هجومية وبأنواع متطورة، لكن المشكلة في الأعداد، حيث إن أمريكا ستدعم بعدد 31 دبابة إبرامز أي كتيبة، وألمانيا بـ14 دبابة، ومثلها إنجلترا، ثم بولندا. المهم أن العدد في النهاية سيصل إلى 110 دبابات قتال هجومية، وهنا يظهر السؤال: هل هذا العدد يحقق لأوكرانيا القيام بعمليات هجومية لاستعادة الأراضى التي احتلتها روسيا خلال العام الماضى؟ والإجابة ببساطة أنه رغم نوعية هذه الدبابات المتطورة من ترسانات أمريكا وإنجلترا وألمانيا إلا أن هذا العدد أمام حجم الدبابات الروسية لن يحقق لأوكرانيا التفوق وتنفيذ عمليات هجومية، حيث إن المُهاجم طبقًا لقوانين القتال العالمية يجب أن يكون متفوقًا على المُدافع بنسبة ثلاثة إلى واحد، علاوة على أن هذه الدبابات لن تنضم إلى منطقة العمليات في أوكرانيا قبل ثلاثة إلى أربعة شهور، وهى مدة تدريب الأطقم الأوكرانية على هذه الدبابات الغربية، خصوصًا أن الجنود الأوكرانيين كان تسليحهم في الماضى هو الدبابة الروسية 62، وبالطبع هي مختلفة تمامًا عن هذا النوع من الدبابات الغربية. كذلك فإن عمليات نقل هذه الدبابات إلى أوكرانيا سيتم من خلال بولندا، وهذه الطرق حاليًا تحت سيطرة الطيران والصواريخ الروسية، حيث أعلنت روسيا أنها لن تسمح بوصول هذه الدبابات الجديدة إلى أوكرانيا، كذلك هناك مشكلة الدعم الفنى والصيانة، وهى إحدى المشاكل الرئيسية لانضمام أي سلاح جديد لقوات في ميدان قتال حيث لابد من توفير الذخيرة والإصلاح والصيانة، وهى أمور ستكون صعبة على القوات الأوكرانية.

وأعتقد أن فكرة الدخول في مفاوضات سلام أصبح من الصعب تحقيقها حاليًا إلا إذا ظهر من يقدم هذه الفكرة أو من جهة محايدة، ولذلك أعتقد أن روسيا الآن بدأت في التخطيط لتنفيذ هجوم رئيسى قادم مع أوائل الربيع عندما يذوب الجليد من الطرق وتصبح معدلات التقدم أسرع، وأعتقد أن روسيا في الفترة القادمة ستكون لها اتجاهات الهجوم رئيسية نحو الاستيلاء على أوديسا، وهذا يتيح لها الاستيلاء على شرق أوكرانيا بالكامل، وحيث يسهل ضمها هي الأخرى إلى روسيا مثل المقاطعات الأربع الأخرى، وبهذا تستكمل السيطرة على البحر الأسود، وتصبح أوكرانيا دولة لا شاطئية، وتحرمها من التصدير والاستيراد إلا عبر بولندا.

كذلك من المنتظر أن يكون اتجاه الهجوم الآخر هو الاستيلاء على كييف العاصمة بأسلوب الأرض المحروقة، حيث تستخدم كافة أنواع الصواريخ الجديدة لاستكمال تدمير المدينة، وبذلك يسقط النظام الأوكرانى، وأعتقد أنه في هذه الحالة لن يسمح الغرب وأمريكا بأن تقوم روسيا بالوصول إلى هذه المرحلة، حيث يبدأ الجميع في الدخول في مفاوضات سلام لتحقيق الاستقرار في العالم، وهذا ما يرجوه الجميع في الفترة القادمة.

وعمومًا، في الفترة القادمة، وقبل أن ينتهى الشتاء، ستظهر تحركات دولية من أطراف عديدة، وأعتقد أن على رأسها الأمم المتحدة، بهدف دفع الأطراف كلها للجلوس على مائدة المفاوضات والوصول لحل سلمى، لأن الجميع يعلم أن روسيا لن تخرج مهزومة من هذه الحرب، ولا أمريكا ودول الاتحاد الأوروبى، لذلك فإن الجميع يأمل أن تكون برودة الشتاء في أوروبا دافعًا لخلق علاقات دافئة لتحقيق السلام.



Email: sfarag.media@outlook.com