العودة إلى الفهرس الرئيسي

لتحميل الوثيقة في صورة PDF

من المقــال

وجاءت المفاجأة خلال هذه الزيارة بأن أعلن ماكرون لشبكة ABC الأمريكية أنه سيجرى مباحثات هاتفية خلال الأيام المقبلة مع نظيره الروسى بوتين، رغم إعلان الكرملين أن جدول أعمال الرئيس الروسى لا يتضمن الوقت لمحادثات هاتفية مع رئيس فرنسا.

هل هناك بوادر انفراجة فى الأزمة الروسية الأوكرانية؟
 

لواء د. سمير فرج

 10 ديسمبر 2022


جاءت زيارة الرئيس الفرنسى ماكرون إلى الولايات المتحدة الأمريكية، والتى امتدت لثلاثة أيام، لتكون لها دلالات ومعانٍ كثيرة.. وكانت لاحتفالات الرئيس الأمريكى جو بايدن بالرئيس الفرنسى وزوجته له أيضا أبعاد كثيرة.. فيكفى أن الصحف الأمريكية علقت على حفل العشاء الذى أقامه الرئيس الأمريكى للرئيس الفرنسى، والذى تكلف نصف مليون دولار، حيث تقول الأوساط الدبلوماسية إن احتفاء بايدن بالرئيس الفرنسى جاء بعد التحذير الذى أعلنه الرئيس الفرنسى من خطر أن تتأثر فرنسا وتكون أوروبا ضحية التنافس الحالى بين واشنطن وبكين، أكبر قوتين اقتصاديتين فى العالم، خاصة حين أعلن ماكرون فى لقائه مع الجالية الفرنسية فى الولايات المتحدة بالسفارة الفرنسية أن برنامج الولايات المتحدة للاستثمارات والإعانات ركز على قيام بايدن بتقديم مساعدة للشركات المحلية الأمريكية، الأمر الذى يهدد بتفتيت وحدة الغرب.

وكان الرئيس الأمريكى قد أحسن استقبال الرئيس الفرنسى فى البيت الأبيض بتقديم مراسم زيارة الدولة مع طلقات المدفعية، وعزْف النشيدين الوطنيين عند وصوله، وعقْد اجتماع فى المكتب البيضاوى ثم المؤتمر الصحفى، وبذلك يصبح ماكرون أول رئيس يخصه بايدن بمثل هذا الاستقبال منذ توليه رئاسة الولايات المتحدة فى يناير 2020، لذلك قال الرئيس بايدن فى كلمته فى البيت الأبيض إن واشنطن لا يمكن أن تطلب شريكا أفضل من فرنسا للعمل معها، مؤكدا أن التحالف مع فرنسا يبقى أساس الاستقرار فى العالم. وأكد ماكرون أن باريس وواشنطن يجب تصبحان أختين فى السلاح فى مواجهة الحرب فى أوكرانيا.

وجاءت المفاجأة خلال هذه الزيارة بأن أعلن ماكرون لشبكة ABC الأمريكية أنه سيجرى مباحثات هاتفية خلال الأيام المقبلة مع نظيره الروسى بوتين، رغم إعلان الكرملين أن جدول أعمال الرئيس الروسى لا يتضمن الوقت لمحادثات هاتفية مع رئيس فرنسا.

كذلك دعا ماكرون خلال زيارته إلى واشنطن إلى أنه يجب الوصول للسلام الدائم لوضع نهاية للنزاع الأوكرانى الروسى، مؤكدا أن بوتين ارتكب خطأ كبيرا بالدخول فى هذه الحرب.. وعلى الجانب الآخر جاء تصريح الرئيس الأمريكى جو بايدن بأنه سبق التحدث مع بوتين لإنهاء الحرب، لكن بوتين لم يفعل شيئا يؤكد ذلك حتى الآن، وأضاف بايدن «فى هذه الحالة فإن التشاور مع أصدقائنا الفرنسيين وباقى أعضاء حلف الناتو والرئيس الأوكرانى سيكون مفيدا قبل أى لقاء». وأضاف جو بايدن «إنه يسرنى أن أجلس مع بوتين لأرى ما يفكر فيه، خاصة حول مستقبل هذه الحرب»، ولكنه أضاف أنه على بوتين أن يكون مستعدا لسحب قواته من أوكرانيا، أولًا للتأكد من جديته فى التحرك نحو تحقيق السلام فى أوروبا.. وبالطبع أقلق هذا التصريح الرئيس بوتين بل أعلن رفضه تماما.

وهناك العديد من التفسيرات بعد تصريحات بايدن، حيث جاءت قبل إعلانه أنه بدأ فى التحضير لانتخابات الرئاسة الأمريكية القادمة، حيث يحاول إدخال تعديلات جذرية على مواعيد إجراء الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطى.. وهذا المقترح أثار الانقسام بين الديمقراطيين، لذلك يرى الجميع أن جو بايدن يريد التحضير للمعركة الانتخابية الرئيسية القادمة مع بدء هذا العام بعد أن يكون قد أنهى إلى حد ما المشكلة الروسية الأوكرانية، خاصة بعد حصول الجمهوريين على الأغلبية فى مجلس النواب فى الكونجرس الأمريكى، وبالتالى سوف يُصعّب من موقفه نحو توفير الدعم المالى والعسكرى لأوكرانيا كما كان فى الماضى، خاصة أن ترامب من أشد الخصوم، والذى يرى أن جو بايدن هو الذى يثير هذه الحرب ويعمل على استمرارها بالدعم المستمر إلى كييف، لأن الاستمرار فى الدعم العسكرى والمالى يعنى تقوية أوكرانيا وتشجيعها على الاستمرار فى القتال.

ومن هنا بدأ العديد من المفكرين، الذين يرون أن الفترة القادمة قد تشهد مزيدا من التقارب بين الولايات المتحدة ودول حلف الناتو وأوكرانيا وبين روسيا، من خلال رأس الحربة الرئيس الفرنسى الذى يعمل دائما منذ بدء الحرب فى 24 نوفمبر 2022 إلى تواجد اتصال مباشر مع الرئيس بوتين. ولقد جاء إعلان الرئيس الفرنسى ماكرون أنه لا داعى للقلق من انقطاعات محتملة للتيار الكهربائى هذا الشتاء فى فرنسا، حيث دعا شركة الكهرباء الفرنسية إلى إعادة تشغيل المفاعلات النووية الفرنسية لمنع الانقطاعات فى حالة الطقس البارد، كما دعا المواطنين إلى تقليل استهلاك الطاقة.. كل ذلك يأتى فى الوقت الذى تسعى فيه أوروبا إلى إيجاد بديل عن إمدادات الغاز الروسية التى قطعتها روسيا، ردًّا على عقوبات الاتحاد الأوروبى المرتبطة بأزمة أوكرانيا، خاصة أن الجهود الأوروبية لم تنجح فى تخفيض الاعتماد على الغاز الروسى إلا بنسبة 9% فقط من احتياجاتها، كما كان قرار الاتحاد الأوروبى بتحديد سعر استيراد الغاز الروسى بمقدار 60 دولارا للبرميل، الأمر الذى أدى إلى تهديد روسيا بأنها لن تبيع الغاز إلى أى دولة تلتزم بهذا السعر.

وكانت أوروبا قد أعلنت أن روسيا تستخدم الغاز ضد شعوبها خلال فترة الشتاء، لإجبار الشعوب على الضغط على الحكومات الأوروبية لإيقاف دعم أوكرانيا.

وكان سعر برميل الغاز الروسى قد وصل حاليا إلى 70 دولارًا فى السوق العالمية، لكن جاء قرار الاتحاد الأوروبى بأن تحديد سعر البرميل بـ 60 دولارًا سوف يفقد روسيا حوالى 100 مليار دولار فى العام، وهذا بالتالى سوف يدفع روسيا إلى الدخول فى مفاوضات لتحقيق السلام فى الفترة القادمة. ورغم اعتراض الرئيس الأوكرانى على تحديد سعر برميل الغاز بـ 60 دولارًا، فإنه يرى أنه يجب أن يكون السعر المحدد من الاتحاد الأوروبى هو 30 دولارًا للبرميل.

على أى حال، فإن الفترة القادمة سوف تشهد صراعا يتمثل فى مدى قدرة «الجنرال برد» على نجاحه فى التأثير على شعوب الدول الأوروبية لإجبار حكوماتها على الدخول فى مباحثات لإقرار السلام فى أوروبا، حيث يرى الجميع أنه من المنتظر أن تتجه الدول الأوروبية وروسيا إلى ضرورة الوصول إلى اتفاق مع بداية أشهر العام الجديد، خاصة أن الروبل الروسى بدأ فى الانخفاض، وأن الاقتصاد الروسى بعد عام تقريبا من الحرب بدأ يعانى كثيرا.. وهذه مساوئ اقتصاد الحرب، علاوة على أن أوروبا أنهكتها هذه الحرب فى كل المجالات من «التضخم، ارتفاع الأسعار، زيادة البطالة».. من ذلك كله، فإن جميع التوقعات ترى أن الجميع يأمل فى أن تنتهى هذه الحرب التى أنهكت كل دول العالم، سواء الغنية أو الفقيرة مع بداية الأشهر الأولى فى العام الجديد.



Email: sfarag.media@outlook.com