العودة إلى الفهرس الرئيسي

لتحميل الوثيقة في صورة PDF

من المقــال

حيث تهدف روسيا إلى خلخلة المجتمع الأوكرانى وتدفعه للثورة ضد رئيسه الذى لا يؤمّن له حياته المدنية، وأبسطها الكهرباء فى فترة الشتاء القادم.

الحرب الروسية الأوكرانية فى شهرها التاسع.. إلى أين؟
 

لواء د. سمير فرج

 4 نوفمبر 2022


مع دخول الحرب الروسية الأوكرانية فى شهرها التاسع بدأت الأحداث تتغير فى كل يوم، وبالتالى تنوعت القرارات التى أصبحت تؤثر على العالم كله، خاصة عندما نجحت القوات الروسية هذا الأسبوع فى صد هجوم بطائرات مفخخة من الجانب الأوكرانى على أسطولها البحرى فى البحر الأسود فى خليج سيفاستوبول فى شبه جزيرة القرم.

هذا الحدث دفع روسيا إلى اعتبار أن هذا الهجوم موجه ضد القوات البحرية الروسية التى تؤمّن عمليات نقل الحبوب الأوكرانية عبر مضيقى البسفور والدردنيل إلى مختلف دول العالم، لذلك أعلنت روسيا تعليق مشاركتها فى تطبيق الاتفاق لتأمين صادرات الحبوب الأوكرانية من الموانئ الأوكرانية، وأبلغت روسيا الأمين العام للأمم المتحدة بتعليق اتفاقية تصدير الحبوب.. وبالطبع، أثار ذلك القرار استياء الجميع، فلقد أعلن الرئيس الأمريكى أن ذلك القرار مشين، أما الأمم المتحدة، فقد أعلنت أن هذا القرار سيكون له تأثير على دول العالم كله والذى يؤمن توفير الغذاء لملايين من شعوب العالم.

باستعراض تلك الأحداث، يجب أن نضع تصور الرؤى الاستراتيجية لدول الصراع فى خلال الثلاثة أشهر القادمة، حيث أرى أن روسيا قد وضعت استراتيجيتها القادمة تجاه هذه الحرب على أساس استمرار التمسك بالخطوط التى وصلت إليها القوات الروسية حاليا داخل الأراضى الأوكرانية، والتى تمثل 20% من أراضيها وعدم الدخول فى عمليات هجومية قادمة للاستيلاء على أراضٍ أوكرانية جديدة، مع استمرار تأمين الأربع مقاطعات أوكرانية التى تم انضمامها لروسيا مؤخرا وهى: (لوهانسك ودونيتسك وزابوريجيا وخيرسون)، وفى نفس الوقت تستمر روسيا فى توجيه ضربات صاروخية وهجمات طائرات مسيرة بدون طيار ضد الأهداف الحيوية المدنية الأوكرانية، وبالذات محطات الكهرباء، حيث بأعطالها تتوقف تبعا لها محطات المياه، ولقد وصل الآن حجم التدمير فيها إلى انقطاع الكهرباء عن ملايين الأسر الأوكرانية.

حيث تهدف روسيا إلى خلخلة المجتمع الأوكرانى وتدفعه للثورة ضد رئيسه الذى لا يؤمّن له حياته المدنية، وأبسطها الكهرباء فى فترة الشتاء القادم. وفى حالة زيادة القوات الأوكرانية من العمليات العسكرية البرية ضد القوات الروسية، يمكن أن تُزيد القوات الروسية من الضربات ضد محطات المواصلات، وبخاصة السكك الحديدية، الأمر الذى سوف يزيد من غضب الشعب الأوكرانى ضد حكومته فى الفترة القادمة، تلك هى السيناريوهات الروسية تجاه أوكرانيا.

أما استراتيجية روسيا تجاه الولايات المتحدة الأمريكية ودول الغرب، فسوف تهدف خلال الفترة القادمة إلى قطع إمداد الغاز الطبيعى عن الدول الأوروبية من أجل إدارة حرب الغاز الطبيعى التى سيتأثر بها المجتمع الأوروبى الذى سيواجه شتاء قارسا دون تدفئة، فتدفع هذه الشعوب إلى الثورة ضد الحكومات الأوروبية، وهو الهدف الرئيسى لبوتين وهو تفتيت دول الاتحاد الأوروبى وحلف الناتو، والتى ظهرت بوادرها مؤخرا باعتراض حكومات بعض الدول الأوروبية على تحرير سعر موحد للغاز الطبيعى، حيث قامت بعض المظاهرات فى بعض الدول الأوروبية ضد ارتفاع أسعار الكهرباء والغاز وعدم ضمان استمرار التدفئة فى شهور الشتاء القادم، لذلك تنتظر روسيا المعركة التى بَطلُها «الجنرال برد» الذى على أثره سيتوقف قرار روسيا بعدها على الدخول فى مفاوضات قادمة لإنهاء هذه الحرب مع نهاية فصل الشتاء.

أما الاستراتيجية الأمريكية تجاه هذه الحرب الروسية الأوكرانية حاليًا، فهى مازالت كما هى لم تتغير، وهى إدارة أوكرانيا حربًا دفاعية ضد روسيا لأطول فترة ممكنة، بهدف استنزاف الموارد الروسية العسكرية والاقتصادية، مع قيام أمريكا ودول الاتحاد الأوروبى والناتو بتقديم دعم عسكرى دفاعى إلى أوكرانيا يمكّنها من إدارة معركة دفاعية داخل الأراضى الأوكرانية.

وكان أبسط مثال على ذلك عندما دعّمت أمريكا، أوكرانيا، بالمدفعية الصاروخية «هيمارس» التى يصل مداها إلى 80 كم، فقد اشترطت أمريكا على أوكرانيا عدم استخدام هذه الصواريخ داخل الأراضى الروسية حتى لا تضطر روسيا إلى الرد على أوكرانيا بأعمال عسكرية مضادة قد تصل إلى استخدام القنبلة النووية التكتيكية، وهو أمر تتحفظ عليه الولايات المتحدة دائمًا.

وبالطبع، فإن دول حلف الناتو والاتحاد الأوروبى مازالت تسير فى فلك الاستراتيجية الأمريكية تجاه هذه الحرب.. أما الرئيس الأوكرانى فهو يدير حربًا نفسية ضد روسيا، فى محاولةٍ لاستمالة الدول الأوروبية لإمداده بالسلاح والدعم المالى لإصلاح ما دمرته أعمال القتال والقصف الروسى فى بلاده. لقد أصبحت معركة خيرسون مفتاح الأعمال القتالية فى شرق وجنوب أوكرانيا، حيث تقوم القوات الأوكرانية بهجوم مضاد لاستعادة خيرسون، التى بسقوطها سوف يهتز موقف القوات الروسية هناك، نظرا لموقعها الاستراتيجى، فهى المنفذ الرئيسى إلى شبه جزيرة القرم التى استولت عليها روسيا عام 2014 وأعلنت ضمها إلى روسيا.

كذلك سوف يُخفّض ذلك من الروح المعنوية للقوات الروسية على جبهة الشمال.. ومن هنا قامت روسيا مؤخرا بإجلاء معظم مواطنى خيرسون إلى روسيا، بهدف إدارة عمليات الأراضى المحروقة فى حالة نجاح الهجوم المضاد الأوكرانى والاستيلاء على خيرسون. وهنا سوف تقوم القوات الروسية بتدمير المدينة بالكامل لمنع أوكرانيا من الاستيلاء عليها، لذلك فإن الجميع ينتظر الآن معركة خيرسون فى الفترة القادمة.

أما بخصوص التهديدات التى أطلقتها روسيا خلال الفترة الماضية حول الاستخدام النووى، فلقد أكدتُ فى مقالى السابق أن احتمالات الحرب النووية أمر غير وارد على الإطلاق بين القوى الكبرى.. أما احتمالات استخدام الضربات النووية التكتيكية، فإنه سوف يكون محدودًا للغاية حتى لا يؤدى ذلك إلى تطوير الصراع بين الدول النووية وروسيا، رغم ادعاء روسيا أن أوكرانيا ستقوم باستخدام القنبلة القذرة، وهو الأمر الذى نفته كل من أوكرانيا والولايات المتحدة.

ورغم التوقعات العديدة المستمرة حول استخدام النووى، إلا أن ذلك كله يأتى فى إطار الحرب النفسية بين الدولتين، لذلك مازال العالم كله ينتظر انتهاء العملية القتالية فى خيرسون ونتائجها، حيث ستكون مفتاح الحلول فى الفترة القادمة، لذلك هل ستنجح الأمم المتحدة فى إقناع روسيا بإعادة اتفاقية المرور الآمن للحبوب والتى قد تؤثر على دول العالم كله فى الفترة القادمة؟ وهل ستنجح الدول الأوروبية فى المرور من أزمة الشتاء القادم وتوفير الغاز والتدفئة لشعوبها؟!.. هذا ما ستقرره الشهور القادمة، لتحسم بعدها نتائج هذه الحرب التى أثرت على دول العالم بالكامل.



Email: sfarag.media@outlook.com