العودة إلى الفهرس الرئيسي

لتحميل الوثيقة في صورة PDF

من المقــال

لقد خلد التاريخ هذه المعركة، وسطر بطولة وبسالة رجال المقاومة الشعبية من أبناء السويس بأحرف من نور، بعدما دافعوا عن مدينتهم بأسلحة بسيطة.

السويس التى هزمت جيش إسرائيل
 

لواء د. سمير فرج

 28 أكتوبر 2023


في حياة الشعوب والأمم بطولات، لا يمكن أن ينساها التاريخ، كما أن هناك معركة وبطولات للمدن تظل في الذاكرة، حيث هناك قصة وبطولة معركة ستالينجراد خلال الحرب العالمية الثانية، ومعركة بورسعيد أيام العدوان الثلاثى سنة 56 على مصر، والتى يذكرها التاريخ دائمًا بأنها قصة وبطولة نادرة لمدينة مصرية، وأخيرًا جاءت معركة السويس، التي نحتفل بها في 24 أكتوبر من كل عام، الذي يُعتبر العيد القومى لمحافظة السويس، ذلك اليوم الذي يوافق ذكرى أعظم معارك مصر، وهى معركة السويس في عام 73، التي تُعد آخر معارك حرب أكتوبر المجيدة، قبل وصول مراقبى الأمم المتحدة لمتابعة سريان وقف إطلاق النار، المتخذ قراره يوم 23 أكتوبر 1973.

تعود قصة تلك المعركة إلى قرار إسرائيل اقتحام مدينة السويس على أساس أنها هدف إعلامى كبير يحقق لها النصر في حرب أكتوبر، بافتراض أنها مهمة سهلة، لذلك خصصت القيادة الإسرائيلية لتنفيذها لواء مدرعًا وكتيبة من اللواء المظلى ذات كفاءة قتالية عالية، بينما القوات العسكرية المصرية في مدينة السويس هي عناصر إدارية، تابعة لقوات الجيش الثالث الموجود في شرق القناة، فأمر العميد يوسف عفيفى، قائد الفرقة 19 مشاة، الموجود في شرق القناة، بدعم قوات المدينة بعناصر من الصواريخ المضادة للدبابات وعناصر من مجموعات قنص الدبابات. وكان قائد هذه المجموعة الرائد على رضا من الفرقة 19 مشاة، وقائد مجموعة الصواريخ المضادة للدبابات، الرائد علاء درويش.

بدأت المعركة في الثانية من صباح يوم 24، حين أصدر الجنرال جونيه، قائد الفرقة المدرعة الإسرائيلية، أوامره إلى قائد اللواء المدرع، الكولونيل أرييه كيرين، وقائد كتيبة المظليين يوسى يوفى، بضرورة اقتحام مدينة السويس، قبل وصول مراقبى الأمم المتحدة لتطبيق قرار وقف إطلاق النار. وكان العميد أ. ح. يوسف عفيفى، قائد الفرقة 19 الموجودة شرق القناة، عندما شعر باقتراب العناصر الإسرائيلية إلى مدينة السويس أمر بإرسال الرائد على رضا ومجموعته من شرق القناة لدخول مدينة السويس، ومع أول ضوء، تقدمت الوحدات الإسرائيلية في اتجاه حى الأربعين، فتصدّت لها مجموعة الصواريخ الموجهة المضادة للدبابات وعناصر المقاومة الشعبية بإطلاق النيران، فكان أول عناصر المقاومة محمود عواد، الذي أطلق قذائف RPJ ضد الدبابات المتقدمة، ومعه زميلاه إبراهيم سليمان ورفيقه محمد سرحان، من اتجاه سينما رويال، فأُصيبت الدبابات الإسرائيلية المتقدمة والعربات المدرعة، واندلعت فيها النيران، وسط ذهول القوات الإسرائيلية، التي قفزت من الدبابات، محاولة الاختباء في المساكن المجاورة، فإذا بنيران رجال المقاومة الشعبية ورجال الجيش الثالث تنهمر عليهم.

أمام هذا المشهد، تراجع عناصر المظلين الإسرائيليين، وحاولوا الاحتماء داخل قسم الأربعين، فحاصرهم رجال المقاومة داخل القسم، ودارت الاشتباكات بين الجانبين، ومع حلول الظلام، أصدر الجنرال «أدان» أوامره للقوة الإسرائيلية بالخروج من مداخل المدينة، فانسحبت القوات الإسرائيلية بالفعل، في فجر يوم 25 أكتوبر، بعدما تكبدت 80 قتيلًا و120 جريحًا. حاولت إسرائيل، مرة أخرى، اقتحام المدينة، فلم تَلْقَ إلا نفس ويلات الهجمة الأولى، وزاد عدد الجرحى. وبعد سريان وقف إطلاق النار، حضرت جولدا مائير، والتقطت صورًا لها على مدخل مدينة السويس لتزعم للعالم أن إسرائيل استولت على مدينة السويس.

ومازالت الدبابات الإسرائيلية المحروقة أمام مدخل السويس شاهدة على عظمة الشعب المصرى المقاتل، الذي حطم أسطورة الجيش الذي لا يُقهر.

ويجب ألا ننسى الأب الروحى للمقاومة الشعبية في السويس، الشيخ حافظ سلامة، الذي كان له دور عظيم في إذكاء الروح المعنوية لشعب مدينة السويس.

لقد خلد التاريخ هذه المعركة، وسطر بطولة وبسالة رجال المقاومة الشعبية من أبناء السويس بأحرف من نور، بعدما دافعوا عن مدينتهم بأسلحة بسيطة، ومعهم رجال القوات المسلحة من أبناء الجيش الثالث الميدانى، وكبدوا العدو الإسرائيلى خسائر فادحة.

وعندما نتحدث عن أنواع المعارك في مراجع التكتيك العسكرى، فإن هناك معارك الصحراء والمناطق الجبلية ومعارك الغابات وأخيرًا معارك المدن، حيث تُصنف معارك المدن بأنها مقبرة الجيوش، وطبقًا لآخر تحديث في قانون قتال الجيش البريطانى Land Operation Part 2 عندما قدم عمليات الهجوم على المدن، أنها من أعقد العمليات العسكرية، واستدل على ذلك بمعركة السويس عام 73 في أنها حرب حديثة، حيث استخدم فيها المهاجم الإسرائيلى الأسلحة والمُعَدات الحديثة عندما حاول اقتحام هذه المدينة، ولكنه فشل، رغم أن القوات المهاجمة من جيش الدفاع الإسرائيلى كانت من قوات النخبة الإسرائيلية، وتكبدت القوات الإسرائيلية خسائر كبيرة، لم تحدث في قتال القوات النظامية في أي معركة خلال حرب 73.

ويضيف المرجع البريطانى أن مما جعل المعركة أشد ضراوة إصرار المدافع، ويُقصد به القوات المصرية والدفاع الشعبى، على الحفاظ على أرضه، وهذا أمر يجب أن يضعه المهاجم دائمًا عند التخطيط لأى عملية هجومية في المدن.

ولا أعلم لماذا دار في ذهنى ما يحدث هذه الأيام في الحرب الروسية الأوكرانية، ونجاح القوات الروسية في احتلال 20% من الأراضى الأوكرانية، وكلها مدن، بينما مقاتلو مدينة السويس الشجعان حافظوا ودافعوا ببسالة، ومنعوا جيش الدفاع الإسرائيلى، المعروف بأنه الجيش الذي لا يُقهر، من الاستيلاء على مدينتهم، وجاء منظر الدبابات الإسرائيلية المحترقة أمام حى الأربعين شاهدًا على عظمة المقاتل المصرى في حرب أكتوبر 73.

كما أن رجال مقاومة إسرائيل مازالوا حتى الآن يضعون أمام أعينهم أبناء السويس، الذين وقفوا أمام هجمات إسرائيل، وأصبحوا مثالًا لهم، وسوف يقاتلون باستماتة للدفاع عن غزة، متسلحين بالروح القتالية لأبطال المقاومة في السويس أمام العدو الإسرائيلى، خاصة أنهم يقاتلون نفس العدو الإسرائيلى، الذي تحطمت دباباته وقواته، ولم يستطع احتلال السويس.

ولهذا يحتفل دائمًا أبناء المدن المصرية من أهل السويس والمنصورة، ثم بسالة قتال أهالى بورسعيد في حرب 1956، وأخيرًا معركة السويس، التي هزمت جيش إسرائيل الذي لا يُقهر، فخورين بشجاعتهم.



Email: sfarag.media@outlook.com