العودة إلى الفهرس الرئيسي

لتحميل الوثيقة في صورة PDF

من المقــال

تعنى كل دولة من دول العالم، بملفين أساسيين؛ أولهما الخاص بسياساتها الخارجية، أما الثانى فيهتم بالسياسة الداخلية، ويمكن القول مجازاً إن الملفين يشملان كل مقومات الدولة وتوجهاتها.

كيف نجحت مصر فى تحقيق الاستقرار السياسي
 

لواء د. سمير فرج

 31 أغسطس 2023


تعنى كل دولة من دول العالم، بملفين أساسيين؛ أولهما الخاص بسياساتها الخارجية، أما الثانى فيهتم بالسياسة الداخلية، ويمكن القول مجازاً إن الملفين يشملان كل مقومات الدولة وتوجهاتها، كما أنهما يؤثران فى بعضهما البعض بصورة مباشرة. واليوم، دعونا نحلل سوياً كيفية نجاح مصر، خلال الأعوام الماضية، فى إدارة أهم موضوعات ملف السياسة الخارجية، بتوازن وحكمة، تحقيقًا لأمنها القومي.

لا يخفى على أحد أن الرئيس عبد الفتاح السيسى تسلم منصبه رئيسا للجمهورية، بينما عضوية مصر معلقة فى الاتحاد الإفريقي، منذ عام 2013، رغم ما لمصر من أيادٍ بيضاء على القارة، بدءا بمبادرتها لإنشاء منظمة الوحدة الإفريقية، فى عهد الرئيس عبد الناصر، لتوطيد العلاقات مع كل دول إفريقيا، فضلاً عن تاريخها المشرف فى دعم وتأييد كل حركات التحرر فى إفريقيا. فقام الرئيس السيسي، فور توليه الحكم، بالمشاركة فى مؤتمر القمة الإفريقية، لتعود مصر إلى الاتحاد الإفريقي، قبل أن تتولى رئاسته، فى عام 2019.وفيما يخص أزمة سد النهضة، فتستمر مصر، من خلال القنوات السياسية والدبلوماسية، فى بذل الجهد لحلها، حتى إن الرئيس السيسى قد أعلن استعداده لمساندة خطط التنمية فى إثيوبيا، بتنظيم مياه النيل، مع الحفاظ على حقوق مصر، وفقاً للاتفاقات الدولية.

وعلى صعيد القوى العظمى، فقد كانت العلاقات المصرية الأمريكية فى أسوأ حالاتها خلال عهد الرئيس الأمريكى الأسبق باراك أوباما، وبعد وصول الرئيس السابق دونالد ترامب إلى الحكم، ازدهرت العلاقات الثنائية، اعتماداً على التفاهم والتوافق المشترك بينه وبين الرئيس السيسى فى مختلف القضايا، فعادت المعونة العسكرية بعد سنوات من تجميدها، وعادت معها تدريبات النجم الساطع،كما أيد الرئيس ترامب وجهة نظر الإدارة المصرية خاصة فى القضايا التى تمس أمنها القومي، ومنها أزمة سد النهضة.

ومع تولى الرئيس جو بايدن إدارة البيت الأبيض، سادت حالة من الترقب لمستقبل العلاقات المصرية الأمريكية، حتى بادر الرئيس الأمريكى بالاتصال بنظيره المصري، للإعراب عن تقديره لجهوده فى تحقيق أمن واستقرار المنطقة، بالوساطة لوقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل، فى حرب غزة الرابعة. وهو ما تكرر بعد جهد مصر فى إيقاف إطلاق النار فى حربى غزة الخامسة والسادسة، بما يؤكد يقين الولايات المتحدة من كون مصر مفتاح استقرار منطقة الشرق الأوسط.وقد عزز الرئيس بايدن موقفه بالموافقة على عقد صفقة أسلحة أمريكية مع مصر بقيمة 2.5 مليار دولار، اعتبرها الأهم خلال الخمسة عشر عاماً الماضية، تقديراً لدور مصر، والرئيس السيسي، فى تحقيق استقرار المنطقة.

ورغم تعقد ديناميكيات تحقيق التوازن بين قطبى القوى العالمية، فإن الأحداث دللت على قوة وتميز ومتانة العلاقات الثنائية بين مصر وروسيا، بما شهدناه على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية، سواء بقيام روسيا ببناء المفاعل النووى المصرى فى منطقة الضبعة، أو إقامة منطقة استثمارية داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، أكبر منطقة صناعية روسية خارج أراضيها، أو من خلال إمداد مصر بمعدات عسكرية، أو التعاون فى تطوير مصانعها الحربية، التى لم تشهد تطوراً، منذ إنشائها، إلا فى عهد الرئيس السيسي.

وإذا ما انتقلنا إلى قارة أوروبا، فسنشهد تميز العلاقات الثنائية بين مصر والأقطاب الأوروبيين، بداية من فرنسا، التى تقف بقوة وراء موقف مصر فى ليبيا، وقضية غاز شرق المتوسط، فضلاً عن الدعم العسكري، بإتمام صفقات طائرات الرافال وحاملات الطائرات الميسترال والفرقاطات البحرية.وكذلك ألمانيا التى ازدهرت العلاقات معها فى وجود المستشارة السابقة أنجيلا ميركل، واستمرت بعد وصول المستشار أولافشولز إلى السلطة، بمواصلة تأييد مصر فى مختلف القضايا الدولية، بالإضافة للدعم العسكرى من خلال صفقة الغواصات الألمانية الأربع، والفرقاطات.

أما إيطاليا التى تعمل شركاتها فى أعمال التنقيب عن الغاز فى البحر المتوسط، والتى أتممت مع مصر صفقة لبيع الفرقاطات البحرية اللازمة لتعزيز قدراتها فى تأمين الاستثمارات فى البحرين الأبيض والأحمر، فقد شهدت العلاقات معها تحسناً بوصول رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، التى انتقدت حكومات بلادها السابقة فى التعامل مع قضية ريجيني، مؤكدة دعمها العلاقات الثنائية الممتدة عبر التاريخ، بين أعظم حضارتين عرفتهما الإنسانية.

وبالاتجاه شرقاً، نحو آسيا، نلاحظ إدراك مصر أهمية الصين كثانى أكبر القوى الاقتصادية العالمية، مما دفعها لتوطيد العلاقات الثنائية معها، من خلال الزيارات الرئاسية المتبادلة، وهو ما أتى بثماره، فى دعم طلب مصر الانضمام إلى تحالف بريكس، المكون من البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، والموافقة عليه كدليل على تقدير قوة مصر السياسية والاقتصادية، خاصة بعد حصول مصر على عضوية بنك التنمية الجديد فى منظمة البريكس.وعلى مستوى العلاقات المصرية مع تركيا، فبرغم تريث الخطوات السياسية المصرية لحل المشكلة، فإن مصر لم تقرر،فى أى وقت، وقف التعامل التجارى مع تركيا، بل فتحت المجال لعودة السفراء بين البلدين، فى خطوة للوصول إلى حل المشكلة بهدوء.

وعلى المستوى العربي، أحدثت مصر نهضة سياسية فى التقارب مع الدول العربية، ودول الخليج، من خلال سعيها لتحقيق السلام والاستقرار فى فلسطين وليبيا والسودان، باعتبارها امتداداً للأمن القومى المصري.وهكذا نتأكد من نجاح مصر فى إدارة ملف السياسة الخارجية، باقتدار، من خلال الحفاظ على علاقات سياسية متوازنة مع كل الدول والتكتلات العالمية، وصولا لإدراك الهدف الأعلى، وهو تحقيق الأمن القومى المصري.



Email: sfarag.media@outlook.com