العودة إلى الفهرس الرئيسي

لتحميل الوثيقة في صورة PDF

من المقــال

وجدتنى أتذكر الصين، التى صارت معشوقتى الجديدة، واحتلت مكانة فرنسا فى قلبى، وعقلى.

الاستثمار المصرى .. والتجربة الصينية
 

لواء د. سمير فرج

 25 مايو 2023


ترأس السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى، رئيس الجمهورية،الاجتماع الأول للمجلس الأعلى للاستثمار، ليؤكد حرص الدولة على اتخاذ إجراءات حاسمة لتحقيق طفرة كبيرة فى جذب وتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية، والقضاء على العقبات والبيروقراطيات التى من شأنها تعطيل مسيرة تلك العملية. وقد انتهى الاجتماع بإصدار 22 «قرارا اقتصاديا»، مع تكليف الحكومة بوضع الإجراءات اللازمة، والواجبة، لتنفيذها. ولعل من أهم تلك القرارات، تسهيل تملك الأجانب للأراضى، مع وضع سقف زمنى، مدته عشرة أيام عمل، للحصول على موافقات تأسيس الشركات، والتوسع فى اصدار الرخصة الذهبية، وغيرها من القرارات التى ستسهم، بالتأكيد، فى الإسراع بتأسيس عصر جديد للاستثمار، بعيداً عن البيروقراطية، التى تعد سبباً فى تعطيل المشروعات الاستثمارية.

ولما اطلعت على نتائج ذلك الاجتماع، وجدتنى أتذكر الصين، التى صارت معشوقتى الجديدة، واحتلت مكانة فرنسا فى قلبى، وعقلى، التى طالما استمتعت، مع صديقى اللواء محسن السلاوى، بزيارتها، والتنزه فى أحيائها، وشوارعها الجانبية، والرئيسية، كالشانزليزيه، خاصة وإن تزامنت الزيارة مع فترة أعياد الميلاد والعام الجديد، لترى جوانبها تتلألأ بالأنوار، وتمتعك أجواء شتائها البارد، فتبعث فيك النشاط والحيوية. ثم تتوقف فى مقاهيها المنتشرة على كل جانب، لتتناول القهوة الفرنسية، أو الشكولاتة الساخنة، مع قطعة من الكرواسون، أشهر المخبوزات، التى اقتبستها دول العالم من فرنسا، ولم تتمكن أيها من مضاهاة المذاق الفرنسى المميز. ولم نمل يوماً من زيارة منطقة مونمارت، المعروفة بحى الفنانين، أو تناول العشاء فى أى من مطاعم الحى اللاتينى بها.

وبرغم كل تلك الذكريات الجميلة، هجرت معشوقتى باريس، ومال قلبى نحو الصين، بعدما زرتها أربع مرات، ولمست نهضتها الاقتصادية الكبرى، التى جعلتها ثانى أكبر القوى الاقتصادية فى العالم، بعد الولايات المتحدة، التى تدرك أن استمرار تقدم الصين بذات المعدلات، سيضعها فى مركز الصدارة الاقتصادية، بحلول عام 2030. شملت تلك الزيارات المتعددة للصين، ثلاث زيارات لمدينة تشن تشن، تلك المدينة التى كانت منذ نحو ثلاثين عاماً، عبارة عن قرية، يعيش فيها سبعة آلاف صياد، إلا أن قربها من شنغهاى، جعل الحكومة تقرر تحويلها لمدينة استثمارية، وشيدت الحكومة الصينية سوراً ضخماً حولها، وقصرت دخولها على من له عقد عمل بأحد مصانعها. وصل تعداد المدينة، الآن، إلى 10 ملايين نسمة، من العاملين بالمصانع العالمية الموجودة بها، وفى غضون 25 عاماً، تحولت بوصلة الاستثمارات الأجنبية، فى جنوب شرق آسيا، إليها، خاصة بعد تعزيزها بميناء خاص، لتصدير جميع إنتاجها منه.

اعتمد تخطيط المدينة على مبدأ الأحياء أو التجمعات الصناعية المتكاملة، بحيث يستضيف كل جزء منها صناعة رئيسية لتوطينها بها، مع استقبال باقى الصناعات المغذية للنشاط الرئيسى، ففيها تجد حياً لصناعة الإلكترونيات، وآخر للبتروكيماويات، وثالث لصناعة المنسوجات، وحولها تتركز الصناعات المغذية لكل نشاط. ولم تكتف الصين بذلك، بل جهزت نماذج للمصانع المطلوبة، وفقاً للنشاط، وزودتها بكل المرافق والبنية الأساسية اللازمة، من مياه وكهرباء وصرف صحى واتصالات، ليتسلمها المستثمر، ويبدأ نشاطه على الفور.

وعندما توليت مسئولية الأقصر، كأول محافظ لها،تواصلت مع مسئولى مدينة تشن تشن الصينية، للتعاون فى إنشاء منطقة استثمارية بالأقصر، لتنويع مصادر دخل المحافظة، وعدم قصره على النشاط السياحى، فقط، وحينها زرت المدينة الصينية، لمدة ثلاثة أيام، كانت كافية للتعرف على سر تقدمها، فى تلك المدة الزمنية القصيرة، فى عمر الأمم، وهو اللابيروقراطية؛ فالمستثمر يدخلها حاملاً طلب إنشاء مشروع استثمارى جديد، فيلتقى مسئولى الاستثمار، لمراجعة تفاصيل المشروع، واحتياجاته، سواء مساحات الأرض، أو المرافق، والتعرف على قواعد وقوانين العمل، وحوافز الاستثمار بها، والتى تعد حوافزها الضريبية،الأكثر جذباً على مستوى آسيا. وإذ لزم الأمر، يقدم مسئولو المدينة للمستثمر دراسات جدوى، معدة سلفاً، للمشروعات المدرجة ضمن استراتيجية المدينة وخطتها التنفيذية، لمراجعتها، والاختيار منها فى خلال أيام.

أما إن كان المستثمر جاهزاً بتفاصيل مشروعه، فيخرج بعد خمس ساعات، وفى يده التصديق على تنفيذه، مع الأرض المخصصة لإقامته، وفى يده الأخرى التعليمات والقوانين المنظمة لعمله، لدراستها، والعودة بعد 48 ساعة، لسداد المبالغ المستحقة عليه، وتسلم أرض المشروع فى خلال 48 ساعة لاحقة. ويظل مجلس المدينة يراقب التنفيذ، يومياً، لضمان عدم مخالفة القواعد والقوانين، سواء الخاصة بالبناء أو العمالة، ومادام التزم المستثمر بها، فالعمل يسير دون توقف، أما إن خالفها، فيئول أمره لمحكمة صينية مختصة، للنظر فيه، وإصدار أحكامها النافذة، فى خلال 72 ساعة، على الأكثر، والتى تتراوح بين منح المهلة، وسحب المشروع، فوراً، ومصادرة ما عليه من إنشاءات أو معدات.وهكذا انطلقت تشن تشن إلى العالمية، ونافست هونج كونج، وشنغهاى،وبزغ العملاق الصينى الجديد، الذى خطا أولى خطواته منها.

تلاحقت كل تلك الذكريات فى ذهنى، وأنا أتابع قرارات السيد رئيس الجمهورية بعد اجتماع المجلس الأعلى للاستثمار، والتى تؤكد حرص سيادته على عمل المجلس بذات الوتيرة، وهو ما تأكد من خلال تكليفاته للحكومة للعمل بتلك الديناميكية لتيسير مناخ الأعمال فى مصر، فى ظل ما تتمتع به من مقومات أساسية، لعل منها المنطقة الاقتصادية لقناة السويس،بموقعها الفريد، ومساحتها الشاسعة، وتكامل أراضيها الصناعية، مع الموانئ البحرية التابعة لها، بما يؤهلها لأن تكون الوجهة الأفضل للاستثمار، على المستوى الإقليمى، والقارى، ولا ينقصها إلا توحيد الجهود لهزيمة البيروقراطية.



Email: sfarag.media@outlook.com