العودة إلى الفهرس الرئيسي

لتحميل الوثيقة في صورة PDF

من المقــال

وأفاد التقرير بأنه من اللافت للنظر أن الحزب الشيوعى الصينى قد احتفظ بالسيطرة الكاملة على الدولة الصينية التى تمر الآن بأسرع وأهم توسع اقتصادى فى تاريخ العالم.

ماذا حققت الصين بعد 100 عام من وجود الحزب الشيوعى؟
 

لواء د. سمير فرج

 10 سبتمبر 2021


فى دراسة وتحليل استراتيجى لمعهد الدراسات الاستراتيجية فى لندن (IISS)، تناول التحليل «ماذا حقق الحزب الشيوعى فى الصين خلال احتفال الصين هذا العام فى أول شهر يوليو 2021 بالذكرى المئوية لتأسيس الحزب الشيوعى الصينى؟»، خلال هذه الاحتفالية شن الحزب حملة دعاية سياسية واسعة النطاق ليذكّر الشعب الصينى بما قدمه الحزب الشيوعى للصين خلال مائة عام. ويذكر التقرير أن صحيفة «واشنطن بوست» أجرت استطلاعًا عبر الإنترنت اشترك فيه حوالى 20 ألف مواطن، حيث أظهرت فيه النتائج أن الغالبية العظمى من الشعب الصينى يثق بحكومته الوطنية وحزبه الذى حقق ذلك النجاح.

ويضيف التقرير أن الحزب الشيوعى الصينى نجا من العديد من الأزمات التى كان من الممكن أن تقضى عليه، لذلك أصبح الآن أهم نظام شيوعى لايزال فى السلطة.. ورغم أن النظامين الشيوعيين فى كوبا وكوريا الشمالية موجودان، إلا أن أوضاعهما الاقتصادية الصعبة تعطى التفوق للحزب الشيوعى الصينى.

وأفاد التقرير بأنه من اللافت للنظر أن الحزب الشيوعى الصينى قد احتفظ بالسيطرة الكاملة على الدولة الصينية التى تمر الآن بأسرع وأهم توسع اقتصادى فى تاريخ العالم، وهذا الذى دعا إلى خوف الولايات المتحدة الأمريكية من التطور الاقتصادى الصينى السريع، والذى أدى إلى قيام الولايات المتحدة منذ عهد الرئيس السابق ترامب بفرض العديد من الإجراءات المضادة لمنع التمدد الاقتصادى الصينى فى الولايات المتحدة وأوروبا، حيث ظهرت المشكلة فجأة عندما وجدت الولايات المتحدة الأمريكية أنها تستورد من الصين منتجات أكثر من أى دولة أخرى فى العالم، فقد قدرت غرفة التجارة الأمريكية طبقًا لإحصائية عام 2017 أن استيراد الولايات المتحدة من الصين بقيمة 505 مليارات دولار، بينما يبلغ حجم تصدير منتجاتها إلى الصين 130 مليار دولار.

وبالدخول فى التفاصيل يظهر أن الولايات المتحدة تستورد من الصين المعدات الكهربائية وأجهزة اللاب توب والهواتف والآلات بقيمة 146 مليار دولار، والأحذية وبخاصة الأحذية الرياضية بقيمة 1.4 مليار دولار.. كل هذه الأرقام بالطبع أزعجت الرئيس السابق ترامب، ومن هنا بدأت الولايات المتحدة فى اتخاذ الإجراءات الاقتصادية العنيفة ضد الصين.

وعلى المستوى الأوروبى، كانت علاقات الصين مع أوروبا قد شهدت تطورًا كبيرًا، حيث نما حجم التبادل التجارى بين الاتحاد الأوروبى والصين بمقدار ثمانية أضعاف، ووصل إلى 560 مليار يورو عام 2019، مما أدى لخفض أسعار السلع الاستراتيجية فى الدول الأوروبية، ولهذا باتت الصين المصدر الرئيسى لما يقرب من ربع السلع التى تستوردها دول أوروبا فى العام الماضى، ولكن هناك بعض الانتقادات لهذه العلاقة الاقتصادية، حيث تقول الأرقام إن 43% من الصادرات الصينية لأوروبا هى سلع استهلاكية، مثل: أجهزة الهواتف المحمولة والكمبيوتر والأجهزة المنزلية.. وعلى الجانب الآخر، فإن الصين تعتمد بشكل كبير على استيراد معدات أوروبية تدخل فى السلع والمنتجات التى تصدرها للخارج، لذلك يعتبر المحللون أن استثمارات الشركات الأوروبية ضرورة فى تنمية الاقتصاد الصينى.

وتعمل الولايات المتحدة الأمريكية حاليًا على عمل تحالف لمجابهة النفوذ الاقتصادى الصينى، خاصة مع دول أوروبا، لذلك قام الاتحاد الأوروبى فى مارس الماضى بفرض العقوبات على الصين بسبب انتهاكات حقوق الإنسان لأقلية الإيغور المسلمة، وهذا بالطبع خلق مناخًا غير سوىّ على العلاقات المستقبلية بين البلدين، رغم أن هناك عددًا من الدول الأوروبية التى تدعم الصين ولا ترى خطرًا من نفوذها مثل اليونان والمجر وإيطاليا والبرتغال وصربيا.. ورغم ذلك كله، فإن التقرير يرى أن الصين فى طريقها لتجاوز الولايات المتحدة كأكبر قوة اقتصادية وسوق استهلاكية قريبًا، مما يصعّب الانفصال الاقتصادى بين الصين وأوروبا.

ويؤكد التقرير أن بقاء الحزب الشيوعى الصينى فى السلطة مائة عام بسبب قدرته على الجمع بين الالتزام بالأيديولوجيا الماركسية اللينينية والقدرة على توفير احتياجات الشعب الصينى قدر الإمكان، مع القدرة على المرونة فى إلغاء بعض القوانين القديمة، وكان أبسط مثال على ذلك إلغاء قانون الطفل الواحد، حيث صدر هذا العام قانون جديد يسمح للأسرة الصينية بأن تُنجب 3 أطفال بدلًا من واحد.. ولاشك أن هذا القرار أسعد معظم العائلات الصينية. وأتذكر وأنا فى الصين وجدتهم يتندرون بالإمبراطور، وعندما سألت: مَن هذا الإمبراطور؟ كانت الإجابة هو الطفل الصينى، لأن الأسرة الصينية غير مصرح لها إلا أن تنجب طفلًا واحدًا فقط، وهذا الطفل أصبح مدللًا من الأب والأم ثم الجد والجدة للأب والأم، أى ستة أفراد يدللون هذا الطفل الذى أطلقوا عليه الإمبراطور.

وتقول الدراسة إنه منذ أن بدأ الإصلاح والانفتاح الصينى فى أواخر السبعينيات، والتزم الحزب الشيوعى الصينى بالعمل على تحسين حياة المواطن العادى، لذلك أصبحت الحياة الاقتصادية لهذا المواطن أفضل مما كانت عليه قبل 20 عامًا، حيث إن الحزب فى هذه الفترة كانت الأسبقية له هى النمو الاقتصادى والتحرير الاجتماعى، وكان أبسط مثال على ذلك النمو الكبير لشركات التكنولوجيا الصينية التى لعبت دورًا كبيرًا فى النمو الاقتصادى، وكانت شركة هواوى الصينية أبرز مثال على ذلك بعملها داخل دول أوروبا كلها.

ويأتى ملخص التقرير بأن الحزب الشيوعى الصينى حقق طفرة كبيرة بأن بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلى ضعف ما كان يحصل عليه عام 2010، لذلك فإن المشكلة الآن لهذا الحزب هى كيف سيحافظ على هذا المستوى فى الأعوام القادمة.. ولكن يضيف تقرير معهد الدراسات الاستراتيجية فى لندن أن الدولة الصينية والحزب الشيوعى لايزال يعتقل جماعات الماويين الجدد- نسبة إلى الزعيم ماوتس تونج- الذين يرون أن الصين لم تعد اشتراكية وتعانى من عدم المساواة والحرمان الاجتماعى.

على أى حال، كان الاحتفال هذا العام يفوق كل التصورات وعلى مستوى كل المستويات والأنشطة الشعبية، حيث شمل المعارض والقراءات وعروض الأفلام والمسابقات وتقديم الأغانى الثورية، مثل: «بدون الحزب الشيوعى لن تكون هناك الصين الجديدة»، حتى موسيقى الراب ظهرت فى هذه الاحتفالات وتوسعت فى هذه الاحتفالات بما يسمى «السياحة الحمراء» على أساس زيارة شباب الصين المواقع التى ارتبطت بالأحداث الكبرى فى تاريخ الحزب الشيوعى الصينى.

كما كان شعار الاحتفال هذا العام هو «الانتصار»، ويعنى انتصار الحزب الشيوعى لتحقيق هذا التقدم الكبير للصين، وهذا ما أعلنه الرئيس الصينى فى الاحتفال بأن الحزب حقق ما يسميه «حلم الصين».. بمعنى مزيج من الرخاء والقوة، اللذين من خلالهما ستأخذ الدولة مكانها فى العالم لتصبح القوة الجديدة فى العالم الجديد.

ورغم أن التقرير لم يشر إلى القوة العسكرية الصينية التى أخذت فى التطور أيضًا، كذلك لم يشر إلى مشاكل الصين مع الولايات المتحدة والحرب الاقتصادية التى تشنها الولايات المتحدة بحدة ومعها بعض دول الاتحاد الأوروبى، إلا أن ذلك لم يمنع أن الصين سوف تصبح فى الأعوام القادمة الدولة التى سوف ترعب الجميع.



Email: sfarag.media@outlook.com