العودة إلى الفهرس الرئيسي

لتحميل الوثيقة في صورة PDF

من المقــال

وخلال ذلك التجمع، أعلن جو بايدن دعمه انضمام الاتحاد الإفريقى لتجمع دول العشرين، وكذلك دعمه زيادة التمثيل الإفريقى فى مجلس الأمن. تعد هذه القمة، هى الثانية فى تاريخ الولايات.

وأخيرا عادت إفريقيا إلى أمريكا
 

لواء د. سمير فرج

 22 ديسمبر 2022


خلال دراستى فى كلية كمبرلى الملكية بإنجلترا، ومع نهاية الفصل الدراسى الأول، كان مطلوبا منى اختيار كتاب، لتلخيصه، فاخترت، حينها، كتابا للسياسى الأمريكى، الشهير، هنرى كيسنجر، عنوانه مفهوم السياسة الخارجية الأمريكية، أو American Foreign Policy، والحقيقة أننى استفدت، شخصيا، كثيرا، من ذلك الكتاب فى التعرف على كيفية صياغة الولايات المتحدة سياستها الخارجية.

استعرض هنرى كيسنجر، كيفية صنع أمريكا سياستها الخارجية، وفقا لمستويات الاهتمام، Level of Interest، وأوضح، فى ذلك الكتاب، الصادر فى سبعينيات القرن الماضى، أن مستوى الاهتمام الأول، للولايات المتحدة، حينئذ، كان أوروبا من ناحية، والعداء مع الاتحاد السوفيتى، فى مرحلة الحرب الباردة، من ناحية أخرى.

فى حين كان مستوى الاهتمام الثانى هو الشرق الأوسط، الذى كان يُمثل مصدر الطاقة الرئيسى فى هذا الوقت، وضرورة استمرار أمريكا فى احتواء هذه المنطقة، ومنع الاتحاد السوفيتى من الوصول إليها.

أما الشرق الأقصى، ودوله، كالصين وكوريا واليابان، فاحتل مستوى الاهتمام الثالث، وجاء فى مرحلة الاهتمام الرابع للولايات المتحدة الأمريكية، دول أمريكا الجنوبية، باعتبارها قارة الجوار، أما قارة إفريقيا فكانت فى مرتبة الاهتمام الخامس، أى الأخيرة.

وبإعادة قراءة فكر هنرى كيسنجر، الذى طرحه منذ ما يزيد على أربعين عاما، نجد أن أمريكا مازالت تسير، حاليا، على نفس النهج، وإن تبدلت أسبقيات سياستها الخارجية، فاحتل الشرق الأقصى اهتمامها الأول، وتراجعت أوروبا، وروسيا لمستوى الاهتمام الثانى، وتراجع معه الشرق الأوسط، كمصدر الطاقة، وكذلك التهديد النووى الإيرانى إلى مستوى الاهتمام الثالث، واحتفظت دول أمريكا الجنوبية، والقارة الإفريقية بالمركزين، الرابع والخامس على التوالى، فى دائرة اهتمامات الولايات المتحدة الأمريكية.

وبتذيل إفريقيا أولويات الولايات المتحدة الأمريكية، أُتيحت الفرصة، فى الفترة السابقة، لباقى قوى العالم لاحتواء الدول الإفريقية، ومحاولة بسط نفوذها على القارة السمراء، وكان أول المتسابقين الصين، التى بدأت بالتوغل فى الدول الإفريقية، بإقامة، أو توطيد، علاقاتها الاقتصادية معهم، لمصلحتها، وذلك بفتح أسواق جديدة للمنتجات الصينية، بالإضافة لمنح تلك الدول قروضا كبيرة، لتنفيذ مشروعات البنية الأساسية، سواء لإنشاء السدود، أومحطات الكهرباء، وحتى الطرق والمطارات. ولحقتها فى السباق روسيا، التى اعتمدت على التوسع فى تسليح الدول الإفريقية، كوسيلة لبسط نفوذها. وحتى تركيا وإيران، فقد لحقا بالركب لفتح أسواق جديدة لبلادها.

وفجأة، انتبهت أمريكا لعدم سلامة فكرها الاستراتيجى، بعدم إيلاء إفريقيا الاهتمام المُستحق، خاصة بعدما لاحظت، مؤخرا، تضامن الدول الإفريقية مع روسيا والصين، خلال التصويت، فى الأمم المتحدة، فيما يتعلق بالحرب الروسية الأوكرانية. ويبدو أن أمريكا قد قررت تدارك ذلك الخطأ الاستراتيجى، والبدء فى تحويل بوصلة سياستها الخارجية نحو إفريقيا، وهو ما تمت ترجمته فى الزيارة الإفريقية التى قام بها وزير خارجيتها، أنتونى بلينكن، فى أغسطس الماضى، والتى استهلها بزيارة كينيا، لتقديم الدعم اللازم لتحقيق الاستقرار فى النواحى الاقتصادية، وأعقبها بزيارة نيجيريا، أكبر مصدر للنفط فى إفريقيا، والتى تكافح المتمردين الإسلاميين، فقدم لها مساعدات أمنية واقتصادية. أما المحطة الإفريقية الأخيرة، فكانت السنغال، لتقديم المساعدات الاقتصادية.

وكانت وزارة الخارجية الأمريكية، قد أعلنت أن هدف زيارة بلينكن، إلى الدول الإفريقية، هو التصدى للنفوذ الدبلوماسى الروسى، والصينى فى المنطقة، خاصةً بعد الجولة التى قام بها وزير الخارجية الروسى، إلى الدول الإفريقية، فى شهر يوليو الماضى. لم تكتف الولايات المتحدة بتلك الزيارة، بل أعقبتها بدعوة الرئيس الأمريكى جو بايدن، لعدد تسعة وأربعين من القادة الأفارقة، لأكبر تجمع دبلوماسى تشهده أمريكا، منذ جائحة كورونا، وأعلن الرئيس الأمريكى، تعيين جونى كارسون، مبعوثا أمريكيا خاصا لقارة إفريقيا، كما قررت الإدارة الأمريكية تقديم تمويل لإفريقيا، قدره 55 مليار دولار، حتى عام 2025، يخصص لدعم الاقتصاد والصحة والأمن، من خلال استثمارات ومبادرات تستهدف إنقاذ حياة المواطن الإفريقى، يتم تنفيذها ببناء نظام صحى للدول الإفريقية لمواجهة الأوبئة، مع تخصيص 500 مليون دولار لإنشاء شبكة طرق، وملايين أخرى من الدولارات للتحول الرقمى، بالإضافة إلى إقامة منطقة حرة بإفريقيا بقيمة 3٫4 تريليون دولار.

وخلال ذلك التجمع، أعلن جو بايدن دعمه انضمام الاتحاد الإفريقى لتجمع دول العشرين، وكذلك دعمه زيادة التمثيل الإفريقى فى مجلس الأمن. تعد هذه القمة، هى الثانية فى تاريخ الولايات، بعدما انعقدت الأولى فى أثناء ولاية الرئيس الأسبق باراك أوباما، وقد شارك فى تلك القمة الأخيرة، السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى، وعقد على هامشها اجتماعات مهمة مع كبار المسئولين الأمريكيين، ومنهم وزراء الدفاع والخارجية، تم خلالها عرض رؤية مصر بالنسبة للوجود الأمريكى فى أفريقيا، مستقبلا، مع استعراض حجم التحديات التى تواجه القارة السمراء، وتقف حائلا دون تقدمها. كما عقد سيادته عددا من الاجتماعات مع أعضاء الكونجرس الأمريكى، من الحزبين الجمهورى والديمقراطى، لبحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، وتعزيز الشراكة الإفريقية الأمريكية، لتيسير اندماج الدول الإفريقية فى الاقتصاد العالمى، للاستفادة مما توفره من فرص لتحقيق نموها الاقتصادى، ونقل التكنولوجيا، ودفع حركة الاستثمار الأجنبى.

ورغم أن قرار الإدارة الأمريكية رفع اهتمامها بالدول الإفريقية من المرتبة الأخيرة، إلى مراتب أكثر تقدما، ينبع من رغبتها السياسية فى التصدى إلى التوسع الصينى والروسى بتلك الدول، فإن ذلك القرار من شأنه إحداث حراك اقتصادى، يصب فى مصلحة دول القارة الإفريقية، وهو ما نتوقع أن نشهده فى المستقبل القريب.



Email: sfarag.media@outlook.com